الشوكاني

72

فتح القدير

عطف على إطعام . قرئ بضم الكاف وكسرها وهما لغتان مثل أسوة وإسوة . وقرأ سعيد بن جبير ومحمد ابن السميفع اليماني " أو كأسوتهم " : يعني كأسوة أهليكم والكسوة في الرجال تصدق على ما يكسو البدن ولو كان ثوبا واحدا ، وهكذا في كسوة النساء ، وقيل الكسوة للنساء درع وخمار ، وقيل المراد بالكسوة ما تجزئ به الصلاة . قوله ( أو تحرير رقبة ) أي إعتاق مملوك ، والتحرير : الإخراج من الرق ، ويستعمل التحرير في فك الأسير وإعفاء المجهود بعمل عن عمله وترك إنزال الضرر به ، ومنه قول الفرزدق : أبني غدانة أنني حررتكم * فوهبتكم لعطية بن جعال أي حررتكم من الهجاء الذي كان سيضع منكم ويضر بأحسابكم . ولأهل العلم أبحاث في الرقبة التي تجرئ في الكفارة ، وظاهر هذه الآية أنها تجزئ كل رقبة على أي صفة كانت . وذهب جماعة منهم الشافعي إلى اشتراط الإيمان فيها قياسا على كفارة القتل ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) أي فمن لم يجد شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام ، وقرئ " متتابعات " حكى ذلك عن ابن مسعود وأبى ، فتكون هذه القراءة مقيدة لمطلق الصوم . وبه قال أبو حنيفة والثوري وهو أحد قول الشافعي . وقال مالك والشافعي في قوله الآخر : يجزئ التفريق ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم ، ثم أمرهم بحفظ الأيمان وعدم المسارعة إليها أو إلى الحنث بها ، والإشارة بقوله ( كذلك ) إلى مصدر الفعل المذكور بعده ، أي مثل ذلك البيان ( يبين الله لكم ) وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز ( لعلكم تشكرون ) ما أنعم به عليكم من بيان شرائعه وإيضاح أحكامه . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم قالوا : يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في اللغو قال : هو الرجل يحلف على الحلال . وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : هما الرجلان يتبايعان ، يقول أحدهما والله لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر والله لا أشتريه بكذا . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن النخعي قال : اللغو أن يصل كلامه بالحلف : والله لتأكلن والله لتشربن ونحو هذا لا يريد به يمينا ولا يتعمد حلفا . فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة ، وقد تقدم الكلام في البقرة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) قال : بما تعمدتم . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقيم كفارة اليمين مدا من حنطة ، وفى إسناده النضر بن زرارة بن عبد الكريم الذهلي الكوفي . قال أبو حاتم مجهول ، وذكره ابن حبان في الثقات . وقد تقدم حديث ابن عباس وتضعيفه . وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر قالت : كنا نعطى في كفارة اليمين بالمد الذي نقتات به : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال : إني أحلف لا أعطى أقواما ، ثم يبدو لي فأعطيهم ، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو نصف صاع من قمح . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس مثله . وأخرج عنه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق قال : في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين .